أحمد بن محمد القسطلاني

415

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

فلا يكره ، ولا يكون خلاف الأولى ، وإن كان للجزع وعدم التسليم للقضاء ، فيكره أو يحرم . وهذا كله في البكاء بصوت ، أما مجرد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعين ، فلا منع منه . كما قال عليه الصلاة والسلام : ( ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد ، ولا يكلف الانكفاف عنه ، وكأن الجارحة امتنعت ، فصارت هي الفاعلة لا هو . ولهذا قال : وإنا بفراقك لمحزونون . فعبر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل ، أي ليس الحزن من فعلنا ، ولكنه واقع بنا من غيرنا ، ولا يكلف الإنسان بفعل غيره . والفرق بين دمع العين ، ونطق اللسان أن النطق يملك بخلاف الدمع ، فهو للعين كالنظر ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى ، فالفعل لها . ولا كذلك نطق اللسان ، فإنه لصاحب اللسان . قاله ابن المنير . ( رواه ) أي : أصل الحديث ( موسى ) بن إسماعيل التبوذكي ( عن سليمان بن المغيرة ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة ( عن ثابت ) البناني ( عن أنس ) هو ابن مالك ( رضي الله عنه ، عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيما وصله البيهقي في الدلائل ، وفيه : التحديث والعنعنة والقول . 45 - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ ( باب البكاء عند المريض ) إذا ظهرت عليه علامة مخوفة ، وسقط لفظ : باب ، عند أبي ذر . 1304 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : " اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنهم - ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ : قَدْ قَضَى ؟ قَالُوا : لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَبَكَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكَوْا . فَقَالَ : أَلاَ تَسْمَعُونَ ؟ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ . وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ " . وَكَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا ، وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ . وبالسند قال : ( حدّثنا أصبغ ) بن الفرج ( عن ابن وهب ) عبد الله ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عمرو ) هو : ابن الحرث المصري ( عن سعيد بن الحارث الأنصاري ) قاضي المدينة ( عن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ، قال ) : ( اشتكى ) أي : مرض ( سعد بن عبادة ) بسكون العين في الأول ، وضمها في الثاني ، مع تخفيف الموحدة ( شكوى له ) بغير تنوين ( فأتاه النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( يعوده مع عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنهم ، فلما دخل عليه ) النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن معه ( فوجده في غاشية أهله ) بغين وشين معجمتين بينهما ألف الذين يغشونه للخدمة والزيارة ، لكن قال في الفتح : وسقط لفظ أهله من أكثر الروايات ، والذي في اليونينية سقوطها لابن عساكر فقط ، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية : الغشية من الكرب ، ويقويه رواية مسلم بلفظ : في غشيته . وقال التوربشني في شرح المصابيح : المراد ما يتغشاه من كرب الوجع الذي فيه ، لا الموت . لأنه برئ من هذا المرض ، وعاش بعده زمانًا ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( قد قضى ؟ ) بحذف همزة الاستفهام أي : أقد خرج من الدنيا بأن مات . ( قالوا ) ولأبي ذر ، وابن عساكر : فقالوا ( لا يا رسول الله ) جواب لما مر مما استفهمه ( فبكى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما رأى القوم ) الحاضرون ( بكاء النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بكوا فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( ألا تسمعون : إن الله ) بكسر الهمزة استئنافًا لأن قوله : تسمعون لا يقتضي مفعولاً ، لأنه جعل كاللازم فلا يقتضي مفعولاً أي : ألا توجدون السماع ؟ كذا قرره البرماوي وابن حجر ، كالكرماني ، وقد تعقبه العيني فقال : ما المانع أن يكون : أن ، بالفتح في محل المفعول لتسمعون . وهو الملائم لمعنى الكلام ؟ اه - . لكن الذي في روايتنا بالكسر ( لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا ) إن قال سوءًا - ( وأشار إلى لسانه - أو يرحم ) بهذا إن قال خيرًا ( وإن ) وللكشميهني : أو يرحم الله ، وإن ( الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) بخلاف الحي فلا يعذب ببكاء الحي عليه ، وإنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا تضمن ما لا يجوز ، وكان الميت سببًا فيه . كما مر . ( وكان عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ) فيما هو موصول بالسند السابق إلى ابن عمر ( يضرب فيه ) في البكاء بالصفة المنهي عنها بعد الموت ( بالعصا ، ويرمي بالحجارة ، ويحثي بالتراب ) تأسيًا بأمره عليه الصلاة والسلام بذلك في نساء جعفر ، كما مرّ . وفي الحديث : التحديث والأخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم . 46 - باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ ، وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ( باب ما ينهى عن النوح ) أي باب النهي عنه ، فما مصدرية ولأبي ذر ، وابن عساكر